الكوماندوس الإسرائيلي يستعرض في إنزالَي النبي شيت
شربل البيسري
Wednesday, 11-Mar-2026 07:16

في تصعيد أمني لافت في منطقة البقاع، شهد ليل الجمعة-السبت وليل الأحد- فجر الاثنين عمليتَي إنزال إسرائيليّتَين معقّدتَين، نفّذتهما وحدات كوماندوس خاصة مدعومة بغطاء جوي كثيف، في عملية متعدّدة المراحل حملت طابعاً استخبارياً وعسكرياً في آنٍ واحد. وقد ترافقت العمليّتان مع اشتباكات عنيفة وغارات جوية مكثفة، وأسفرتا عن خسائر بشرية كبيرة في الجانب اللبناني، فيما لم يُعلن عن إصابات في الجانب الإسرائيلي حتى اللحظة.

الإنزال الأول: عملية استطلاعية بالنار

استمرّت العملية الأولى نحو 5 ساعات، إذ بدأت عند الساعة السادسة مساءً، وهو توقيت تزامن مع موعد الإفطار، وانتهت قرابة الساعة الثالثة فجراً. وتشير المعطيات إلى أنّ هذه المرحلة حملت طابعاً استطلاعياً بالنار، وكان هدفها الأساس جسّ نبض الأرض وجمع معلومات ميدانية تتعلّق بجثة الطيار الإسرائيلي رون آراد.

 

وبحسب المعلومات المتوافرة، نزلت قوّة إسرائيلية مؤلفة من 8 جنود ينتمون إلى وحدة الكوماندوس «شايطيت 13». وقد لفتت طبيعة الآليات المستخدمة الانتباه، إذ كانت بحوزة القوّة سيارتا إسعاف تعودان للهيئة الصحية الإسلامية التابعة لـ«حزب الله»، بالإضافة إلى آلية «هامر» تشبه تلك المستخدمة من قِبل الجيش اللبناني. وتشير التقديرات إلى أنّ هذه الآليات قد تكون زُوّدت للقوّة الإسرائيلية عبر متعاونين داخل الأراضي اللبنانية، ما سمح لها بالتحرُّك في المنطقة من دون إثارة الشبهات في المرحلة الأولى.

 

وخلال الساعات الخمس التي استغرقتها العملية، تحدّثت مصادر إسرائيلية أيضاً عن تنفيذ الجنود عملية ثانية محدودة ضمن الإطار الزمني نفسه، ما يعزّز فرضية أنّ المهمّة كانت مركّبة وتتضمّن أكثر من هدف استطلاعي أو ميداني، ولا تقتصر على البحث عن جثة الطيار رون آراد.

عند الساعة العاشرة وخمسين دقيقة ليلاً، التقطت كاميرات المراقبة التابعة للجيش اللبناني والمثبّتة على الأبراج الحدودية مع سوريا بتمويل من المملكة المتحدة، هبوط 4 مروحيات هجومية من طراز «أباتشي». وقد جاءت هذه المروحيات لتعزيز القوّة الأساسية المنتشرة على الأرض وتأمين انسحابها في حال تعرّضها لأي اشتباك مباشر.

 

وبالتزامن مع ذلك، أطلق الجيش اللبناني بالونات حرارية لمراقبة المنطقة ورصد التحرُّكات الجوية والأرضية. وبعد انتهاء أعمال الحفر وانتشال الجثث في الموقع المستهدف، اندلعت مواجهات في المنطقة، فبدأ مقاتلو «حزب الله» وأهالي القرى المجاورة بإطلاق النار واستخدام المدفعية باتجاه القوّة الإسرائيلية.

ومع تصاعد الاشتباكات، تولّى الطيران الحربي الإسرائيلي تأمين انسحاب القوّة عبر تنفيذ غارات جوية كثيفة شكّلت غطاءً نارياً واسعاً. وقد هدفت هذه الضربات إلى رسم ممر آمن لقوّة الكوماندوس ومنع اقتراب المقاتلين اللبنانيِّين إلى مسافة الاشتباك المباشر.

 

انتهت العملية الأولى عند الساعة الثالثة فجراً، بعد أن نجحت القوّة في الانسحاب تحت الغطاء الجوي. وأسفرت المواجهات التي رافقتها، عن سقوط أكثر من 40 قتيلاً و70 جريحاً لبنانياً، فيما لم تُسجَّل أي خسائر في الجانب الإسرائيلي.

 

الإنزال الثاني: العملية الرئيسية

بعد ساعات قليلة من العملية الأولى، انطلقت المرحلة الثانية التي تُعدّ الهدف الرئيسي للعملية العسكرية. فقد حُدِّدت ساعة الصفر عند الساعة 00:10 بعد منتصف ليل الأحد-الاثنين، عندما بدأت القوّة الجوية الإسرائيلية تنفيذ عملية إنزال واسعة في منطقة البقاع.

 

شارك في هذه المرحلة 15 مروحية عسكرية، في مزيج من مروحيات النقل الثقيلة من طراز «يسعور» ومروحيات الهجوم «أباتشي». وقد تولّت هذه الطائرات إنزال قوّة مشاة كبيرة تراوح عددها بين 80 و120 جندياً من وحدات النخبة في الجيش الإسرائيلي.

 

وضمّت القوة عناصر من 3 وحدات خاصة بارزة. الأولى هي وحدة «سيريت ماتكال»، المتخصِّصة في الاستطلاع العام وتحديد الأهداف الاستخباراتية الحساسة. والثانية وحدة «شلدغ»، وهي قوّة كوماندوس جوي مسؤولة عن توجيه الليزر لتحديد الأهداف وتأمين هبوط المروحيات في مناطق العمليات. أمّا الثالثة، فهي وحدة «شحّد»، وهي قوّة ميدانية مخصَّصة للاشتباك المباشر مع الخصوم.

 

من الناحية العملياتية، سلكت المروحيات الإسرائيلية مساراً غير تقليدي للوصول إلى منطقة الهدف. فقد اخترقت الأجواء اللبنانية من جهة الحدود السورية، عبر السلسلة الشرقية، في محاولة للالتفاف على منظومات الرادار وتشكيلات الدفاع الجوي المنتشرة في الجنوب والوسط.

 

وتركّزت نقاط الإنزال في مثلّث جغرافي يقع بين بلدات النبي شيت والخريبة ويحفوفا، وهي منطقة تُعدّ من أبرز معاقل «حزب الله» في البقاع. لكن فور هبوط القوّة على الأرض، تعرّضت لتحرّك مضاد سريع. فقد رصدت وحدات النخبة في «حزب الله» عملية الإنزال بدقة، ما أدّى إلى اندلاع اشتباكات مباشرة استُخدِمت فيها الأسلحة الرشاشة والقذائف الصاروخية.

 

ولمنع تطويق القوّة البرية أو قطع خطوط انسحابها، نفّذ سلاح الجو الإسرائيلي ما وصف بأنّه «حزام ناري» واسع حول منطقة العمليات. وشملت هذه المرحلة سلسلة غارات جوية كثيفة اعتُبرت من بين الأكثر كثافة في البقاع منذ سنوات، وناهز عددها الـ40.

تركّزت الضربات الجوية على قطع طرق الإمداد القادمة من بعلبك والهرمل باتجاه بلدة النبي شيت، بهدف منع وصول تعزيزات أو إمدادات إلى المقاتلين الذين يواجهون القوّة الإسرائيلية. وقد أدّى هذا القصف المكثّف إلى جعل عمليات الإخلاء والإمداد صعبة للغاية، إذ جرت معظم التحرُّكات تحت نيران كثيفة.

 

أهداف محتملة للعملية الثانية

تعدّدت الفرضيات حول الأهداف الحقيقية للإنزال الإسرائيلي في البقاع. الفرضية الأولى تتعلّق بملف الطيار الإسرائيلي المفقود رون آراد، إذ يُعتقد أنّ العملية هدفت إلى استكمال البحث في ما وصف بـ«نقطة عمياء» لم تُمَسّ خلال العملية التي جرت يوم السبت، خصوصاً في محيط مقبرة آل شكر في النبي شيت، وهنا تُربَط العملية بالمعلومات المستقاة من العميد الأسير في إسرائيل، أحمد شكر.

 

الفرضية الثانية ترتبط بالبرنامج الصاروخي لـ«حزب الله»، إذ تشير التقديرات إلى أنّ أحد أهداف العملية قد يكون تدمير منشأة تحت الأرض يُعتقد أنّها تُستخدم لتخزين أو تجميع مكوّنات صواريخ دقيقة من طراز «فاتح 110».

أمّا الفرضية الثالثة، فتستند إلى تسريبات غير رسمية، تحدّثت عن احتمال استهداف مقر إقامة موقت لخبراء من الحرس الثوري الإيراني يُشرفون على جبهة البقاع، ممّا يضع العملية ضمن سياق أوسع يتعلّق بالمواجهة الإقليمية بين إسرائيل وإيران.

 

الخسائر البشرية والتقييم

على صعيد الخسائر، سقط في الجانب اللبناني 26 قتيلاً وعشرات الجرحى خلال العملية الثانية. وفي المقابل، لم يُعلن الجانب الإسرائيلي عن أي قتلى أو إصابات في صفوف قوّاته. كما نفت إسرائيل تعرُّض أي من مروحياتها للتدمير أو العطب، في حين تحدّثت روايات لبنانية عن استهداف مروحية وإصابتها، لكنّ الميدان كان خالياً من أي حطام.

 

حتى الآن، لم يصدر أي تقييم رسمي إسرائيلي يحدّد مدى نجاح العملية في تحقيق أهدافها المعلنة أو غير المعلنة. وبذلك تبقى نتائج هذا الإنزال العسكري الكبير مفتوحة على احتمالات عدة، في ظل استمرار الغموض حول ما إذا كانت القوّة قد عثرت على المعلومات أو الأهداف التي دخلت من أجلها إلى عمق البقاع اللبناني.

الأكثر قراءة